أوقات الصلاة
الفجر 04:44
الظهر 11:24
العصر 02:18
المغرب 04:38
العشاء 06:03
حالة الطقس
Loading...
اسعار العملات
Loading...

كيف تختار زوجتك؟

الكاتب: عبد الغني سلامة

تختلف عادات طلب العروس للزواج من بلد لآخر، كما تختلف من زمن لآخر في نفس البلد، ولكن يبدو أن معظم تلك العادات تنطلق من نفس العقلية البدائية، ومن نفس النظرة الدونية للمرأة، التي ترى في الزوجة مجرد سلعة، وحق مُلكية للرجل، وتعتبر الزواج عبارة عن صفقة.

في مجتمعات "العالم الثالث"، غالبا ما يكون البحث عن شريك للحياة مبادرة مقتصرة على الرجل، حتى في المجتمعات التي قطعت شوطا في التمدن، ما زالت الفتاة تخجل وتمتنع عن التصريح عن رغبتها بالاقتران بالشاب الذي نال إعجابها.. وغالبا ما تجلس الفتاة في بيت أهلها تنتظر أحدهم أن يطرق الباب طالبا يدها.. فإن لم يأتِ ذلك الشاب، تظل تنتظر، وقد يطول انتظارها، إلى أن تنضم إلى ملايين النسوة اللواتي فاتهن قطار الزواج.

صحيح أنه بفعل تطور الحياة، ونتيجة الاختلاط في الجامعات وأماكن العمل صار ممكنا للجنسين أن يلتقيا معاً، ويتفاهما، ويتفقا على الاقتران وتكوين أسرة.. وصار ممكنا للفتاة أن ترفض من لا يعجبها، سواء أتى بمفرده، أم أتى بالطريقة التقليدية مع أهله.. ومع ذلك، تظل المبادرة بيد الذكر.. لن أتطرق هنا للتزويج غصبا، ولا للزواج المبكر، ولا زواج البدَل.. ولا صفقات بيع البنت تحت مسمى نَسَب وزواج، هذا موضوع آخر.

في ثقافتنا السائدة، وفي عقلنا الباطن، حين يبدأ الشاب التفكير بالزواج، والبحث عن عروس عادة ما يضع شروطا معينة، وهذه حق طبيعي للطرفين.. وفي ذهن الشاب مواصفات خاصة: الجمال، الرشاقة، لون البشرة، طول الشعر، شكل التسريحة، محجبة أم غير محجبة، العمر، المؤهل، كم راتبها، طبيعة عملها، بعضهم يفضلها ربة بيت.. كل هذا طبيعي ومشروع، لأن المسألة شراكة كاملة في كل تفاصيل الحياة، ولبقية العمر، وبالتالي لا بد من التروي.

قديما، كانت الأم تبحث بنفسها عن عروس لابنها، وأحيانا توكل المهمة لسيدة متخصصة "الخاطبة"، فتزور البيت المقترح، وحين يتم عرض الفتاة عليها، تبدأ بالفحص الطبي: تتفقد شعرها (للتأكد أنه ليس شعرا مستعارا، وأن لونه أصلي)، وتتفقد متانة أسنانها، وقوة نظرها، وطريقة إعدادها للقهوة، وأسلوب تقديمها، والتأكد أنها خجولة، ومطيعة، وأنها لم تتحدث مع شاب من قبل، وليس في تاريخها الطبي عمليات جراحية، و"مشيتها مزبوطة"، ولا تعرج، ولا تتلعثم في الكلام.. مفترضة قبل كل ذلك أن ابنها "توم كروز"، ولا يعيبه شيء، ولا تنقصه نقيصة.. في المثل الشعبي "لا يعيب الرجل إلا جيبه"، أي إذا كان غنيا ومقتدرا فكل شيء بعد ذلك مقبول.

لحسن الحظ أن هذا الأسلوب قد اختفى تقريبا من حياتنا الاجتماعية، ولكن، للأسف، نفس المعايير ما زالت هي الأساس في كثير من الزيجات.

المشكلة الأولى، أنَّ من يحدد الشروط والمواصفات غالبا هو الرجل، مفترضا في نفسه أنه كامل ومتكامل، أما الفتاة، فليس لها إلا أن تتمنى الحظ السعيد.. والمشكلة الثانية تكمن في الثقافة الشعبية التي تصنف الفتاة وفق اعتبارات محددة، فعندما يعرض الشاب فتاةً معينة على أهله طالبا منهم الموافقة، أو حين يتم ترشيح فتاة معينة للشاب من قبل الأهل، عبر أشرطة الأعراس، أو الصور المهربة من قاعات السيدات، مهربة مثل الأفيون والحشيش (على حد تعبير الصديق واثق)، يبدأ "عريس الغفلة" بنقدهن، وذكر محاسنهن أو مساوئهن، كأنه يتفقد "بكسة بندورة"، أو "طقم كنبايات".. وحينها تبدأ التصنيفات:

إذا كانت قصيرة؛ "هو أنا بدي أعلّقها ميدالية".. وإذا كانت نحيلة؛ فهي "معصعصة".. وإذا كانت سمينة؛ "محرزة ومليانة".. وإذا كانت تعاني من مشكلة صحية؛ "هاي معيوبة"، أو "مضروبة".. ونلاحظ هنا النظرة البدائية للمرأة، بوصفها متاعا، وسلعة.. وإذا كانت تعمل براتب مجزٍ؛ "أنصحك بها، أحسن من تاكسي"، أو "أحسن من مخزن عَ الشارع".. ولا ندري هنا هل يبحث الشاب عن زوجة وأم لأطفاله، أم عن شريك في مشروع تجاري؟

وإذا كان العريس يحتاج دعما وسندا ماديا من شريكته، فيبحث عن معلمة مدرسة، لأن لديها وقت فراغ أطول.. أي أنه يريدها مجرد ولود ومرضع وحاضنة أطفال.

ومن الشروط أيضا إجادة الطبخ، والاهتمام بالنظافة.. البحث هنا عن مدبرة منزل، وخادمة، تغسل ملابسه، وتزيل جراباته المتروكة خلف الباب، وتعد له القهوة وتدرس الأولاد.. ليشاهد هو المباراة "على رواق".

فضلا عن التصنيفات العنصرية، التي ترى السمراء أقل جمالا من البيض والشقراوات، وهنا يظهر تشبيه "بيضاء مثل الجبنة"، وكأن البحث عن وجبة طعام لا عن شريكة حياة!

ومن التناقضات الغريبة، أن يبحث الشاب عن فتاة ذات حكمة وخبرة في الحياة، ولكن، شريطة أن تكون بلا تجارب سابقة.. لا يريدها "سكند هاند"، وكأنه بصدد شراء سيارة، أو جاكيت.

لهذا السبب، تفشل بعض الزيجات، وتتعقد الحياة الأسرية، وأحيانا تتحول إلى جحيم، ويحصل الانفصال.. وبسبب هذه العقلية، تتعقد حياة الطرفين حتى بعد الانفصال، فالأطفال عبارة عن "حق مُلكية" يتنازعها الطرفان، وتصبح الروابط الزوجية والتفاهم والذكريات والحياة المشتركة.. عبارة عن أرقام وكميات وتفاصيل تافهة (ذهب، متأخر، نفقة، أثاث، إعادة ما تم صرفه حتى لو كانت عزومة في مطعم، أو أجرة تاكسي..).

قال تعالى: "وجعلنا بينكم مودة ورحمة"، وفي آية أخرى: "فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".. لكن الثقافة الشعبية المتخلفة هي السائدة.

لا يحق لي، ولا لأي أحد وضع مقاييس ومواصفات محددة لشريك الحياة، فكل إنسان حالة خاصة، ومختلفة.. لكن، يجب أن نرتقي بتفكيرنا، ونظرتنا الإنسانية، فالجمال والشكل مسائل نسبية، والوضع الاقتصادي يتغير على الدوام.. الأهم: الحب، والتعاطف، والاحترام، والشراكة، والانسجام، والتقارب الفكري، أو التقارب في فهم القضايا الاجتماعية والسياسية والفكرية.. أي التشارك في بناء أسرة متحابة يسودها الحوار والصراحة والثقة والمساواة التامة، وأن تكون القوامة فيها فقط للحب والتعاون.. دون تسلط، ودون تبعية، ولا إخضاع، ولا حقوق مُلكية.

هذه العلاقة الصحية هي التي تجعل من الذكر رجلا، ومن الأنثى امرأة، وتجعل من كلٍ منهما إنسانا؛ إنسانا حقيقيا، قبل أي شيء آخر.

Loading...